الجمعة , 23 يونيو 2017 , 5:33 مساءً
أهم الأخبار
الرئيسية / بيت المقال / بيتُ المقال .|. د / أحمد سالم .. يكتب في ”من لطائف النظم القرآني في بيان معنى “الوسطية”“ ..

بيتُ المقال .|. د / أحمد سالم .. يكتب في ”من لطائف النظم القرآني في بيان معنى “الوسطية”“ ..

new-%d8%a7%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b3%d8%a7%d9%84%d9%85

#‏بيتُ_المقال‬ : د / أحمد سالم..

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد:

      فانّ من أعظم نعم الله تعالى علينا أن جعلنا من هذه الأمة الخاتمة التي كرّمها الله بخير نبي أرسل، وخير كتاب أنزل، ذلك أنها امتازت على باقي الأمم بسمات وخصائص عظيمة، كالعموم والشمول والوسطية, وغير ذلك ممّا جعلها خير أمة أخرجت للناس، ووسطية هذه الأمة تشمل كل جوانب الدين من عقيدة وشريعة وأخلاق،فيما يصلح به أمر المعاش والمعاد.

يقول الحق تبارك وتعالى: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ” (البقرة: 143).

والوسطية في اللغة تأتي بعدة معان:

  • فهي تأتي اسما لما بين طرفي الشيء وهو منه فنقول: قبضت وسط الحبل، وكسرت وسط القوس، وجلست وسط الدار.

  • وتأتي صفة بمعنى خيار وأفضل، وأجود، فأوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه.

  • وتأتي وسط: بمعنى (عدل) كما ورد في لسان العرب: “ووسط الشيء وأوسطه أعدله”. وفي القاموس: “الوسط: محركة من كل شيء أعدله”.

وتأتي بمعني: الشيء بين الجيد والرديء، قال الجوهري: “ويقال أيضًا شيء وسط: أي بين الجيد والرديء”.

  مما تقدم يتضح لنا أنّ هذه اللفظة تدل على معان متقاربة: “الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على: العدل، والنصف وأعدل الشيء أوسطه ووسطه…”.

والوسطية في الاصطلاح تعني: الاعتدال في الاعتقاد والموقف والسلوك والنظام والمعاملة والأخلاق، وهذا يعني أن الإسلام دين معتدل غير جانح ولا مفرط في شيء من الحقائق، فليس فيه مغالاة في الدين، ولا تطرف ولا شذوذ في الاعتقاد، ولا استكبار ولا خنوع ولا ذل ولا استسلام ولا خضوع وعبودية لغير الله تعالى، ولا تشدد أو إحراج، ولا تهاون، ولا تقصير، ولا تساهل أو تفريط في حق من حقوق الله تعالى، ولا حقوق الناس، وهو معنى الصلاح والاستقامة.

ومن لطائف النظم في بيان معنى الآية: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ” (البقرة: 143).أنها جاءت جملة معترضة بين جملة “سيقول السفهاء…”، وجملة “وما جعلنا القبلة التي كنت عليها…”،فالواو اعتراضية وهي من قبيل الواو الاستئنافية، فالآية السابقة لما أشارت إلى أن الذين هدوا إلى صراط مستقيم هم المسلمون، وأن ذلك فضل لهم ناسب أن يستطرد لذكر فضيلة أخرى لهم هي خير مما تقدم وهي فضيلة كون المسلمين عدولا خيارًا ليشهدوا على الأمم، لأن الآيات الواقعة بعدها هي في ذكر أمر القبلة، وهذه الآية لا تتعلق بأمر القبلة.

يقول صاحب التحرير والتنوير: “وقوله:”كذلك” مركب من كاف التشبيه واسم الإشارة فيتعين تعرف المشار إليه وما هو المشبه به، قال صاحب الكشاف: أي مثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم أمة وسطًا. فاختلف شارحوه في تقرير كلامه وتبيين مراده: فقال البيضاوي:الإشارة إلى المفهوم، أي ما فهم من قوله:تعالى: “يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم”، أي: كما جعلناكم أمة وسطا أو كما جعلنا قبلتكم أفضل قبلة جعلناكم أمة وسطا. اهـ، أي أن قوله: “يهدي من يشاء” يومئ إلى أن المهدي هم المسلمون، وإلى أن المهدي إليه هو استقبال الكعبة وقت قول السفهاء ما ولاهم، وهذا يجعل الكاف باقية على معنى التشبيه ولم يعرج على وصف الكشاف الجعل بالعجيب كأنه رأى أن اسم الإشارة لا يتعين للحمل على أكثر من الإشارة وإن كان إشارة البعيد فهو يستعمل غالبًا من دون إرادة بعد وفيه نظر، والمشار إليه على هذا الوجه معنى تقدم في الكلام السابق، فالإشارة حينئذ إلى مذكور متقرر في العلم فهي جارية على سنن الإشارات.

وقوله تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطًا”قد يكون مراد منه التنويه بالخير فيجعل كأنه مما يروم المتكلم تشبيهه ثم لا يجد إلا أن يشبهه بنفسه وفي هذا قطع للنظر عن التشبيه في الواقع.

وقوله تعالى: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا” من هذا القبيل عند شراح الكشاف وهو الحق، وأوضح منه في هذا المعنى قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض”؛ فإنه لم يسبق ذكر شيء غير الذي سماه الله تعالى فتنة أخذا من فعل فتنا.

والإشارة على هذا المحمل المشار إليه مأخوذ من كلام متأخر عن اسم الإشارة كما سبق لجعل المأخوذ من “جعلناكم”، وتأخير المشار إليه عن الإشارة استعمال بليغ في مقام التشويق كقوله تعالى:”قال هذا فراق بيني وبينك”، أو من كلام متقدم عن اسم الإشارة كما للبيضاوي إذ جعل المشار إليه هو الهدى المأخوذة من قوله تعالى: “يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم”.

والوسط: اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به أو للشيء الواقع بين أشياء محيطة به وليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعض عرفا ولما كان الوصول إليه لا يقع إلا بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة: طبعا، كوسط الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلا بعد أكل ما في الجوانب فيبقى كثير العشب والكلأ، ووضعا، كوسط المملكة يجعل محل قاعدتها ووسط المدينة يجعل موضع قصبتها لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولة، وكواسطة العقد لأنفس لؤلؤة فيه، فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفا فأطلقوه على الخيار النفيس كناية.

وقد بين الحافظ ابن كثير معنى الوسط  في الآية قائلًا: “والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: “هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس “)الحج: 78.(

وقال تعالى: “قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ” (القلم: 28).

 ويقال أوسط القبيلة لصميمها. وأما إطلاق الوسط على الصفة الواقعة عدلا بين خلقين ذميمين فيهما إفراط وتفريط كالشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين الشح والسرف، والعدالة بين الرحمة والقساوة، فذلك مجاز بتشبيه الشيء الموهوم بالشيء المحسوس فلذلك روي حديث”خير الأمور أوساطها”، وسنده ضعيف وقد شاع هذان الإطلاقان حتى صار حقيقتين عرفيتين.

فالوسط في هذه الآية فسر بالخيار لقوله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، وفسر بالعدول.

ووصفت الأمة بـ “وسط” بصيغة المذكر لأنه اسم جامد فهو لجموده يستوي فيه التذكير والتأنيث مثل الوصف بالمصدر في الجمود والإشعار بالوصفية بخلاف نحو: رأيت الزيدين هذين فإنه وصف باسم مطابق لعدم دلالته على صفة بل هو إشارة محضة لا تشعر بصلة في الذات.وضمير المخاطبين هنا مراد به جمع المسلمين لترتبه على الاهتداء لاستقبال الكعبة فيعم كل من صلى لها، ولأن قوله: “لتكونوا شهداء” قد فسر في الحديث الصحيح بأنها شهادة الأمة كلها على الأمم فلا يختص الضمير بالموجودين يوم نزول الآية.

والآية ثناء على المسلمين لأن الله قد ادخر لهم الفضل وجعلهم وسطا بما هيأ لهم من أسبابه في بيان الشريعة بيانا جعل أذهان أتباعها سالمة من أن تروج عليهم الضلالات التي راجت على الأمم، قال فخر الدين:يجوز أن يكونوا وسطا بمعنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر.

والآية صريحة في أن الوصف المذكور فيها مدح للأمة كلها لا لخصوص علمائها فلا معنى للاحتجاج بها من هذه الجهة على حجية الإجماع الذي هو من أحوال بعض الأمة لا من أحوال جميعها، فالوجه أن الآية دالة على حجية إجماع جميع الأمة فيما طريقه النقل للشريعة، وهو المعبر عنه بالتواتر وبما علم من الدين بالضرورة وهو اتفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة للنبي صلى الله عليه وسلم مما هو تشريع مؤصل أو بيان مجمل مثل أعداد الصلوات والركعات وصفة الصلاة والحج ومثل نقل القرآن، وهذا من أحوال إثبات الشريعة، به فسرت المجملات وأسست الشريعة، وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد المجمع عليه منه، وهو الذي اعتبر فيه الباقلانيوفاق العوام واعتبر فيه غيره عدد التواتر، وهو الذي يصفه كثير من قدماء الأصوليين بأنه مقدم على الأدلة كلها.

وقوله  تعالى: “لتكونوا شهداء على الناس”علة لجعلهم وسطًا، فإن أفعال الله تعالى كلها منوطة بحكم وغايات لعلمه تعالى وحكمته وذلك عن إرادة واختيار.

و (الناس) عام والمراد بهم الأمم الماضون والحاضرون وهذه الشهادة دنيوية وأخروية. فأما الدنيوية فهي حكم هذه الأمة على الأمم الماضين والحاضرين بتبرير المؤمنين منهم بالرسل المبعوثين في كل زمان وبتضليل الكافرين منهم برسلهم والمكابرين في العكوف على مللهم بعد مجيء ناسخها وظهور الحق، وهذا حكم تاريخي ديني عظيم إذا نشأت عليه الأمة نشأت على تعود عرض الحوادث كلها على معيار النقد المصيب.والشهادةالأخروية هي ما رواه البخاريعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم ؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد،فيقال لنوح: من يشهد لك ؟ فيقول: محمد وأمته ” قال: فذلك قوله”:  وكذلك جعلناكم أمة وسطا.”قال: الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم.

 ومن مكملات معنى الشهادة على الناس في الدنيا وجوب دعوتنا الأمم للإسلام، ليقوم ذلك مقام دعوة الرسول إياهم حتى تتم الشهادة للمؤمنين منهم على المعرضين.

والشهادة على الأمم تكون لهم وعليهم، ولكنه اكتفى في الآية بتعديتها بعلى إشارة إلى أن معظم شهادة هذه الأمة وأهمها شهادتهم على المعرضين لأن المؤمنين قد شهد لهم إيمانهم فالاكتفاء بعلى تحذير للأمم من أن يكونوا بحيث يشهد عليهم وتنويه بالمسلمين بحالة سلامتهم من وصمة أن يكونوا ممن يشهد عليهم وبحالة تشريفهم بهذه المنقبة.

وقوله: “ويكون الرسول عليكم شهيدًا”معطوف على العلة وليس علة ثانية لأنه ليس مقصودا بالذات بل هو تكميل للشهادة الأولى; لأن جعلنا وسطًا يناسبه عدم الاحتياج إلى الشهادة لنا وانتفاء الشهادة علينا، فأما الدنيوية فشهادة الرسول علينا فيها هي شهادته بذاته على معاصريه وشهادة شرعه على الذين أتوا بعده إما بوفائهم ما أوجبه عليهم شرعه وإما بعكس ذلك، وأما الأخروية فهي ما روي في الحديث من شهادة الرسول بصدق الأمة فيما شهدت به.

وذكر ابن عاشور أن هذه الآية دلت على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل شيء أنه لا يقضي إلا بعد حصولها، ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه، وأنه يشهد على العلم بالسماع، والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينيه أو يسمع بأذنيه، وأن التزكية أصل عظيم في الشهادة، وأن المُزَكِّي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزَكَّى، وأن المزَكِّى لا يحتاج للتزكية، وأن الأمة لا تشهد على النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقول في حجة الوداع: “ألا هل بلغت” فجعل الله هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت، وتقديم الجار والمجرور على عامله لا أراه إلا لمجرد الاهتمام بتشريف أمر هذه الأمة حتى أنها تشهد على الأمم والرسل وهي لا يشهد عليها إلا رسولها، وقد يكون تقديمه لتكون الكلمة التي تختم بها الآية في محل الوقف كلمة ذات حرف مد قبل الحرف الأخير، لأن المد أمكن للوقف وهذا من بدائع فصاحة القرآن.

عن H2H-OS

شاهد أيضاً

sketch-1487381126885

أخبار مصر .|. عاجل.26 فبراير الفقي في إستضافة غراب بحضرة جامعة قناة السويس حول “مصر إلى أين”

بقلم: إبراهيم عبدالرحمن..       H2Hnews مرتبط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com